علي بن محمد البغدادي الماوردي

350

أدب الدنيا والدين

الجفاء كما مل الإخاء . وإن كان لزلل لوحظت أسبابه فإن كان لها مدخل في التأويل وشبهة تؤول إلى جميل حمله على أجمل تأويل وصرفه إلى أحسن جهة كالذي حكي عن خالد بن صفوان أنه مرّ به صديقان له فعرّج عليه أحدهما وطواه الآخر فقيل له في ذلك فقال : نعم عرّج علينا هذا بفضله وطوانا ذلك بثقته بنا . وأنشد بعض أهل الأدب لمحمد بن داود الأصفهاني : وتزعم للواشين أني فاسد * عليك وأني لست فيما عهدتني وما فسدت لي يعلم اللّه نية * علك ولكن خنتني فاتهمتني غدرت بعهدي عامدا وأخفتني * فخفت ولو آمنتني لأمنتني وإن لم يكن لزلله في التأويل مدخل نظر حاله بعد زلله فإن ظهر ندمه وبان خجله فالندم توبة والخجل إنابة ولا ذنب لتائب ولا لوم على منيب ولا يكلف عذرا عما سلف فيلجأ إلى ذل التحريف أو خجل التعنيف ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إياكم والمعاذر فإن أكثرها مفاجر » وقال علي رضي اللّه عنه : كفى بما يعتذر منه تهمة . وقال مسلم بن قتيبة لرجل اعتذر إليه : لا يدعونك أمر قد تخلصت منه إلى الدخول في أمر لعلك لا تخلص منه . وقال بعض الحكماء : شفيع المذنب إقراره وتوبته اعتذاره . وقال بعض البلغاء : من لم يقبل التوبة عظمت خطيئته ومن لم يحسن إلى التائب قبحت إساءته . وقال بعض الحكماء : الكريم من أوسع المغفرة إذا ضاقت بالذنب المعذرة . وقال بعض الشعراء : العذر يلحقه التحريف والكذب * وليس في غير ما يرضيك لي أرب وقد أسأت فبالنعمى التي سلفت * إلّا مننت بعفو ما له سبب وإن عجل العذر قبل توبته وقدّم التنصل قبل إناته فالعذر توبة والتنصل إنابة فلا يكشف عن باطن عذره ولا يعنف بظاهر غدره فيكون لئيم الظفر سيّئ المكافأة . وقد قيل : من غلبته الحدّة فلا تغترر بمودّته . وقال بعض الحكماء : شافع لمذنب خضوعه إلى عذره . وقال بعض الشعراء : اقبل معاذير من يأتيك معتذرا * ان برّ عندك فيما قال أو فجرا